لمن سأغني الآن؟
خرجتُ هذا الصباح كمن ينسلُّ من جلده، لا كمن يغادر بيته…
لم يكن في الأمر بطولة ولا قرار واضح… فقط كان علي أن أفتح الباب… أن أضع قدمي في الشارع… وأن أسمح للنهار بأن يبدأ... حتى لو كان داخلي لم يوافق بعد على الاستيقاظ…
كانت خطواتي مثقلةً… لا لأنها تجهل الطريق… بل لأنها كانت تحمل ما لا يُرى: رماد الكلام المؤجَّل… وملح الانتظار… وارتجافة قلبٍ يحاول أن يعبر صباحاً عادياً دون أن ينفرط في منتصف الرصيف.
في أذني كان صوت محمد الحياني ينساب بأغنية “راحلة”...
لم يكن يغنّي فحسب… كان كمن يمدّ أصابعه إلى موضع الوجع… يلامسه برفقٍ جارح… كأنه لا يعرف اسمي.. لكنه يعرف خرائط انكساري… كان يقول… بطريقته… إن الحنين لا ينتظر الغياب الكامل كي يولد… وإن بعض الأرواح نفتقدها وهي على مرمى النفس.. وإن القلب قد يظمأ إلى العطر والشمس… ولو كانا على مسافة يدٍ من شفته…
كنتُ أمشي… والصوت يمشي قبلي…
كان في الأغنية وداع لم يقع بعد... أو ربما وقع في مكان لا أراه… شيء من الصباح كان يرحل قبل أن يبدأ… شيء من الورد كان يشحب في العين قبل أن يقطف… شيء من العصافير كان يبكي في داخلي بلا شجرة... وبلا ساقية... وبلا شاهد…
لم تكن الكلمات تمرّ علي كأغنية… كانت كأنها تتنفس معي…
كل جملةٍ منها كانت تفتح في داخلي ممرا ضيقا نحو فكرةٍ واحدة:
كيف يستطيع إنسان أن يكون قريبا إلى هذا الحدّ… ثم نشعر… في اللحظة نفسها… أنّه يتهيّأ للرحيل؟
كيف للحضور أن يحمل في طيّاته نواة الفقد؟
وكيف نمضي في الطريق.. وفي أعماقنا سؤالٌ لا يهدأ:
لمن سنغنّي… إن غاب الذي كان يجعل الغناء ممكنا؟
وعند ناصية الطريق… استوقفني قطٌّ أصفر…
لم يكن قطّا عابرا…
كان كأنّه خرج من هامش رواية روسية منهكة… منهكة بالصدق… منهكة بالتعقيدات …
كائن صغير بعينين واسعتين… يسكنهما غضبٌ قديم… وكبرياءٌ لا يليق إلا بمن خالط خيبات البشر طويلا… ثم قرّر أن ينظر إليهم من علوٍّ صامت…
حدّق فيّ طويلا…
لا بفضول الحيوانات… بل بنظرةٍ تشبه محاكمة بلا قاض ولا شهود…
كأنني سلبته لقمته…
أو كأنني مررت فوق حق صغير له دون أن أعتذر…
أو كأنني أحمل في وجهي وزراً لا يراه أحد سواه…
توقفتُ للحظة…
ليس بجسدي فقط... بل بشيء أعمق فيّ… شعرت أن نظرته تعرف ما سيحدث لاحقا… كأن الصباح أرسل لي هذا القط الأصفر لا ليعترض طريقي... بل ليقول لي: انتبهي... هناك شيء في هذا اليوم سيكشّر عن أنيابه بهدوء…
لم يموء…
لم يقترب…
لم يفعل شيئا سوى أن يرمقني كمن يعرف أنني لست بريئة تماما من تعبي... ثم مضى أو تركني أمضي... لا فرق…
فبعض الكائنات الصغيرة لا تمرّ في حياتنا عبثا… تأتي في لحظة لا نفهمها… تنظر إلينا كما لو أنها تقرأ ما أخفيناه حتى عن أنفسنا… ثم تترك فينا علامة غامضة لا نستطيع شرحها لأحد دون أن نبدو كمن يبالغ في تأويل العالم…
وتابعت الطريق…
لكنّ الأغنية لم تكن تُخلّي سبيلي…
كانت تعود إلي من الداخل… لا كصوت هذه المرّة… بل كصور متتابعة: وردٌ يشحب في آخر العين… صباح يطوي ضوءه قبل أن يكتمل… قلبٌ يتعلّم الغرق في دمعه… وصمتٌ يجلس قبالة عينين لا تريدان أن تنطقا بالرحيل…
شعرتُ أنّ الأغنية لا تصف شخصاً يمضي فحسب…
بل تصف تلك اللحظة الرهيفة التي تسبق الذهاب… حين لا يقول أحدٌ شيئا… لكنّ الهواء كلّه يبدأ بتوضيب حقائبه… وحين تصير الأشياء الصغيرة حولنا أكثر صدقاً من الاعتراف: ارتباك النظرة… جفاف الكلمة… وطريقة الصمت وهو ينسحب من المكان كضيفٍ يعرف أنه لن يعود…
لم أحتمل ذلك الحزن المهذب طويلا…
فجأة…انقطع خيط الطرب في داخلي… كأنّ يدا خفيّة نزعت ستارةً ثقيلة عن نافذةٍ مكتومة. بدّلتُ الأغنية… لم أعد قادرةً على حمل صوت محمد الحياني وحده في صباحٍ يطلب منّي أن أبدو طبيعية… وأن أمشي كأن قلبي ليس زجاجاً يُنقل من مكانٍ إلى آخر…
اخترتُ ضجيجاً آخر…
إيقاعاً آخر…
شيئاً أسرع… أكثر خشونة… أقلّ رأفةً بما ينكسر في الداخل… تركتُ “حتى لين” لـ Jntyyy تملأ أذنيّ… كأنني أستبدل الحزن الذي يعرف اسمي بضجيجٍ لا يريد أن يعرف شيئاً عنّي…
كان يركض خلف أسئلةٍ لا تنتظر جواباً… بل تنتظر شجاعة الاعتراف بأنها وُلدت بلا جواب:
لماذا يحدث أن يكون الإنسان واضحاً جداً في داخله… ثم يبدو غامضاً في عيون الآخرين؟
لماذا نحبّ شيئاً بصدق… ثم نخاف أن يبدو صدقنا عبئاً؟
لماذا نقترب… وفي لحظة الاقتراب نفسها… يبدأ الحنين كأننا نودّع؟
وبين ضجيج الراب وخفقان القلب... تسللت أنغام صحراوية…
لا أعرف من أين جاءت… ربما كانت صدفة من قائمة الأغاني... وربما لم تكن صدفة… لكنني أعرف أن ذلك النغم الصحراوي يسكنني بطريقة لا أستطيع تفسيرها... ليس الأمر ثقافة فقط... ولا ذاكرة عائلية واضحة... ولا حكاية أستطيع أن أضع لها عنواناً. إنه شيء أقدم من الشرح…
كلما سمعت تلك الإيقاعات... شعرت أن جزءاً مني وُلد في مكان مفتوح... واسع... صامت... حيث لا أحد يستعجل الكلام... وحيث تستطيع الروح أن تجلس وحدها تحت سماء كبيرة دون أن تُتهم بالبرود أو الغياب…
شعرتُ أنّ داخلي يعرف الرمل أكثر مما يعرف الإسفلت…
وأنّ الصمت هناك لا يجرح كما يجرح صمت المدن…
فصمت الصحراء ليس إهمالاً… إنّه حضنٌ واسع…
أما صمت المدن… فكثيراً ما يكون باباً مغلقاً في وجه من ظلّ يطرق طويلاً…
كنت أمشي... لكن روحي كانت بعيدة…
وفي قلب ذلك التيه… أضاءت شاشة هاتفي…
رسالة من مريم…
وكعادتها... لم تكتب سوى:
“Morning”
كلمةٌ صغيرة في ظاهرها…
لكنّها لم تكن صغيرةً أبداً…
هناك أشخاص لا يحتاجون إلى جمل طويلة كي يثبتوا حضورهم… مريم من هؤلاء… لا تعرض قلبها على العالم... ولا ترفع عاطفتها كراية... ولا تقتحم وجعك بأسئلة كثيرة… لكنها تكون هناك. وهذا... في بعض الأيام... يكفي كي لا يسقط الإنسان كاملا…
ابتسمت…
ابتسامة خفيفة... لا يلاحظها المارّة... لكنها تنقذ شيئا في الداخل من الانهيار…
بدت رسالتها كنافذة صغيرة فُتحت في بيت مكتوم الهواء…… لم تكن تعرف كل ما في قلبي... أو ربما كانت تعرف دون أن تحتاج إلى معرفة التفاصيل… مريم دائما تملك هذا الهدوء الغريب… ذلك الهدوء الذي لا يلغي النار... لكنه يخفف دخانها…
أكملت طريقي…
عند مدخل إحدى العمارات... رأيتُ امرأةً بدت لي كأنها غريبةٌ عن المدينة…لا أدري من أين جاءني ذلك الإحساس… ألعلّه من هيئة وقوفها…
أم من نظرتها… أم من تلك الحيرة الوديعة التي تلازم من لا يدري:
أيسأل… أم يلوذ بالصمت؟
كانت تقف إلى جانب والدها…
في انتظار الطبيب… على ما بدا…
كان وجه الوالد متعبا…
ليس تعب الجسد فقط... بل ذلك التعب العميق الذي يتركه الزمن حين يمر فوق الإنسان دون أن يعتذر. في ملامحه شيء من الخذلان... شيء من الحيرة... شيء من رجاء صغير يحاول ألا ينكسر أمام ابنته…
أما هي... فكانت تمسك تماسكها كما يمسك الإنسان كأساً ممتلئة على وشك أن تنسكب…
تأملتهما للحظة…
فالوجوه العابرة لا تُجيد الكذب…نحن نكذب بالكلام…نرتّب العبارات…وننتقي ما نقوله وما نتركه في الظلّ…ونحاول أن نبدو أكثر هدوءاً مما نحن عليه في الحقيقة…أمّا الوجوه…فتقول الحقيقة على عجل…ثم تمضي… كان المشهد كله يشبه لوحة سريالية: امرأة... أب متعب... باب عمارة... انتظار طبيب... وصباحٌ عاجزٌ عن أن يخفّف عن أحد…
وربما لهذا آلمتني صورتهما…
وربما لهذا آلمتني صورتهما إلى هذا الحدّ… لأنّهما كانا يشبهان شيئاً دفيناً في داخلي:
ذلك القلق الذي يتلفّع بالهدوء… وذلك الانكسار الذي يرتدي ثياباً مرتّبةً كي لا يزعج الآخرين… وتلك الرغبة الطفولية القديمة في أن يأتي أحدهم… في لحظةٍ ما…
ويقول ببساطة:
لا بأس…
أنا أفهمك…
ولستِ مضطرّةً إلى شرح كلّ هذا… لكنّ أحداً لم يقل شيئاً…
ركبتُ سيارة الأجرة وأنا غارقةٌ في شرودي…
كانت الشوارع تنساب من خلف الزجاج كما تنساب كلَّ صباح…بلا شفقة…ولا اكتراث…ولا فضولٍ يسأل المارَّ عمّا يثقل صدره…
الشوارع كانت تمرّ كما تمرّ دائماً... بلا شفقة ولا فضول… الباعة يفتحون محلاتهم... والمارّة يسرعون إلى أشغالهم… والمدينة تتهيّأ ليومها الاعتياديّ كأنّ شيئاً لم يحدث… وكأنّ العالم لا يعنيه أن أحداً يحمل في صدره زلزالاً صغيراً يحاول ألّا يسمعه أحد…. ما أشدَّ قسوة اعتياد الأشياء حين يكون في الداخل ما ليس اعتيادياً أبداً… لا أحد يرى تعثّر القلب…لا أحد يتوقّف لأن روحك اختلّ ميزانها…ولا أحد يعتذر لأن الصباح جاء هذه المرّة مثقلاً بما يفوق قدرتك على الاحتمال…
وصلتُ إلى مكاني المعتاد لأخذ قهوتي الصباحية… المقهى ذاته… والرائحة ذاتها التي تمزج البنَّ بالخبز وبالصباحات المتشابهة… كأنّ للأيام وصفةً واحدة تكرّرها بإصرار...
طلبتُ قهوتي كمن يطلب شيئاً يعرف سلفاً أنّه لن ينقذه… لكنّه يحتاجه كي يعبر به العتبة الأولى من النهار…
فالقهوة لا ترمّم الخراب… ولا تردّ ما انكسر إلى هيئته الأولى… لكنّها تمنحنا دفئاً صغيراً نمسكه بأيدينا حين تصبح بقيّة الأشياء أبرد ممّا ينبغي…
وحين جاء الفنجان… التقطتُ له صورة…
حدث ذلك بعفويّةٍ تكاد تكون قديمة:
فنجان قهوة…
ضوءٌ خفيف…
حافّة طاولة…
وبداية يوم… عادةٌ صغيرة في ظاهرها… لكنّها لم تكن بريئةً تماماً…
كنت أعرف جيّداً لمن كنتُ أرسلها في العادة… بل لعلّ إصبعي كان يعرف الطريق قبل أن يقرّره عقلي…
لكنني توقّفت… توقّفتُ حقاً… تجمّد إصبعي عند حافّة الشاشة… كأنّ بيني وبين الإرسال هاويةً لا تُرى… لم أرسل الصورة… لم أرد أن أكون ثقيلة الظلّ… لم أرغب أن أطرق نافذةً لعلّها أُغلقت للتوّ… ولم أرد أن أُضيف صباحي إلى صباحٍ قد لا يتّسع لي…
ثمّة لحظةٌ موجعةٌ إلى حدٍّ لا يُحتمل… حين تصير أبسط الطقوس التي كنت تؤدّيها بمحبةٍ موضعَ تردّد… وحين يتحوّل شيءٌ صغير… كصورة فنجان قهوة… إلى سؤالٍ فادح الثقل:
هل سأبدو مزعجة؟
هل سيُفهم الحنان على أنّه إلحاح؟
وهل بلغ القرب من الهشاشة حدّاً يجعله يُشبه العبء؟
شربتُ بعض قهوتي... أو لعلّني تركتها تشرب ارتباكي... ثم ذهبتُ إلى وجهتي المعتادة... كان عليّ أن أعود إلى العالم الذي يطلب التركيز... إلى المكان الذي لا يعنيه أن قلبي كان يركض منذ الصباح... جلستُ كما يجلس الناس حين يحاولون أن يبدوا طبيعيين... فتحتُ ما ينبغي فتحه... تابعتُ ما ينبغي متابعته... وحاولتُ أن أجمع انتباهي من أطرافه المتناثرة...
لكن القلب لا يوقّع على جداولنا الزمنية...
كان داخلي مكتظّاً بضجيج لا يشبه ضجيج الشارع... ضجيج لا يسمعه أحد... لكنه يملأ الجسد كلّه... لذلك كنت أبحث عن نوافذ صغيرة أتنفّس منها... تعليق هنا... ابتسامة هناك... ضحكة قصيرة... ومعلومة عابرة أتبادلها أنا ومريم... بعضها كان في موضعه... وبعضها لم يكن سوى محاولة رقيقة لتخفيف ذلك الضجيج الذي كان يعلو في داخلي...
كانت مريم هناك... بهدوئها الذي يشبه الماء...
لا تقتحم... لا تفتح الجرح بفضول... لا تطلب مني أن أشرح الحريق منذ شرارته الأولى... لكنها تقترب... بطريقة لا تؤذي... وتجلس قرب النار كأن حضورها وحده قادر على امتصاص بعض الدخان...
كنا نتبادل التعليقات... نضحك أحياناً على أشياء صغيرة... وربما كانت صغيرة جداً... لكن الضحك في بعض الأيام لا يحتاج إلى سبب كبير... أحياناً نضحك فقط كي لا نترك القلب يسمع صوته وحده... أحياناً تصبح المعلومة العابرة ستاراً صغيراً... وتصبح الابتسامة ضماداً مؤقتاً... وتصبح الصديقة الهادئة كفّاً خفيفة على كتف داخلي لا يراه أحد...
مريم دائماً تفعل ذلك...
لا تطفئ الحريق دفعة واحدة... ولا تدّعي أنها قادرة على ذلك... لكنها تمتصّ دخان احتراقي بهدوء... كأنها تعرف أنني لا أحتاج إلى من يسألني: لماذا احترقتِ؟ بل إلى من يجلس بجانبي قليلاً... كي لا أختنق وحدي...
مرّ الصباح بهذه الطريقة... جزء مني كان حاضراً... وجزء كان بعيداً... وجزء ثالث كان يحاول أن يرمّم صورتي أمام نفسي... كنت أشارك... أعلّق... أبتسم... أضحك... ثم أعود إلى داخلي فأجد أن الأغنية الأولى ما زالت هناك... ما زال صوت “راحلة” يمرّ في الخلفية كظلّ طويل... وما زال السؤال القديم يتردّد: هل يمكن للطيب أن يرحل عن ورده؟ هل يمكن للغصن أن يهرب من ظلّه؟ وهل يمكن لمن منحنا معنى الغناء أن يغادر... ثم نغنّي بعده بالطريقة نفسها؟
وحين انتهيتُ من كل هذه الفوضى الروتينية اليومية... خرجت...
لم أشعر أنني أنهيت شيئاً... شعرت فقط أن اليوم بدّل جلده... وأن وجعه الحقيقي كان ينتظرني في مقهى آخر... عند طاولة أخرى... وفي لحظة أخرى لن تكون صباحية هذه المرّة...
هرولتُ إلى القهوة...
هذه المرّة لم تكن القهوة عادة مسائية... ولا صورة معلّقة بين الإرسال والتراجع... كانت مكاناً ألوذ به بعد ساعات من محاولة التماسك... جلستُ في ركني كمن يجلس في ظلّ نفسه... طلبتُ قهوتي... وربما طلبتُ معها صبراً لا يُقدَّم في الفناجين... وهدوءا لا يعرف النادل كيف يحضره...
لكن الأشياء التي نخشاها لا تنتظر أن نكون مستعدّين لها...
هناك... في ذلك المقهى... وقع ما وقع...
لا أعرف كيف أكتب الأمر دون أن أخونه... فبعض الأحداث حين نشرحها تفقد شيئاً من حقيقتها... لا لأنها أكبر من الكلام... بل لأنها كانت منسوجة من نبرات خافتة... وارتجاجات دقيقة... وصمت يتسلل بين الجمل... ومن ذلك الشعور المباغت بأن المسافة اتسعت في ثانية واحدة... كأن خطوة واحدة في الداخل صارت طريقاً طويلاً لا يُقطع...
كانت الكلمات تأتي من جهة... وأثرها يصل من جهة أخرى...
جملة تصطدم بجملة... وصمت يفتح باباً لسوء فهم... ومحاولة للهدوء تتحول فجأة إلى قرينة ضدك... كنت أظن أنني أستطيع أن أبقى عاقلة... أن أرتب الكلام في داخلي... أن أستقبل ما يحدث دون أن أتركه يهشّم شيئاً فيّ... أن أقول لنفسي إن الناس لا يرون دائماً ما نراه... وإن القلوب لا تقرأ بعضها بالوضوح نفسه... ولا تصل إلى المعنى من الباب ذاته...
لكن بعض اللحظات لا تحتاج إلى صراخ كي تكون قاسية...
يكفي أن تشعر أن صورتك بدأت تتبدل في عين من يهمك أمره... يكفي أن تفهم أن الصمت الذي اخترته كي لا تجرح... صار هو نفسه سبب الجرح... يكفي أن ترى أن شيئاً رقيقاً... شيئاً كنت تظنه خيطاً من ود... صار قابلاً للاحتراق بعبارة واحدة...
تذكرت كل شيء دفعة واحدة...
الصباح... صوت “راحلة”... القط الأصفر... وجه الرجل المتعب مع ابنته... رسالة مريم... الضحكات الصغيرة... صورة القهوة التي لم أرسلها... وذلك الوداع الذي لم يقع بعد... لكنه كان يحوم حولي منذ أول خطوة...
شعرت أن اليوم كله كان يمهّد لهذه اللحظة... كأن الأغنية لم تكن أغنية... بل نبوءة صغيرة... كأن القط لم يكن قطاً... بل شاهداً مبكراً... كأن مريم... بضحكاتها الهادئة... كانت تحاول أن تؤجل الاختناق فقط... لا أن تمنعه...
هي رأت الرقم ستة... وأنا رأيته تسعة...
الرقم نفسه... الورقة نفسها... اللحظة نفسها... لكن زاوية النظر كانت كافية لتقسيم الحقيقة إلى حقيقتين... وفي المسافة الصغيرة بين الستة والتسعة... بدأ الخيط الرفيع يرتجف...
لم ينقطع بصوت واضح...
فالخيوط الرقيقة لا تنقطع دائماً بضجيج... أحياناً تحترق بصمت... أحياناً تضعف فقط... حتى لا يعود أحد واثقاً إن كانت ما زالت تصل بين قلبين... أم أنها تحولت إلى ندبة قديمة في اليد...
أخرجت سيجارتي...
كان المكان حولي يمارس حياته العادية بلامبالاة جارحة... رجل يحدق في هاتفه... امرأة تقلّب ملعقة في كأسها كأنها تحرك فكرة لا سكراً... ونادل يمشي بخفة من يعرف أن حيوات كثيرة تمر من هنا... ولا يبقى منها في النهاية سوى الفواتير والفناجين الفارغة...
أشعلت السيجارة...
توهج طرفها للحظة... ثم بدأ الاحتراق الهادئ... راقبت الدخان وهو يصعد بتكاسل... كأنه يعرف أكثر مني كيف يغادر... كل شيء في تلك اللحظة كان يتحول إلى استعارة رغم مقاومتي: القهوة التي تبرد... السيجارة التي تنقص... الرسائل التي لا تُقال كما ينبغي... الكلمات التي تبقى عالقة في الحلق... والمقهى الذي يحتضن غرباء يجلسون في الصمت نفسه دون أن يعرفوا أسماء حرائقهم...
حاولت أن أملأ الفراغ بالمنطق...
قلت لنفسي: ربما كان الأمر سوء فهم فقط... ربما التعب تكلم بدلاً عنا... ربما المسافة فعلت فعلها... ربما هناك ما لا أعرفه... ربما كان يجب أن أتكلم أكثر... ربما كان يجب أن أصمت أقل... ربما كان يجب أن أكون أخف... ربما كان يجب أن أكون أوضح... ربما... وربما... وربما...
لكن بعض الفراغات لا تمتلئ بالمنطق...
كلما وضعت فيها تفسيراً... اتسعت أكثر... كأنها لا تريد جواباً... بل اعترافاً بأن شيئاً ما قد انكسر... أو بدأ ينكسر...
والأغرب أن الصمت الذي اخترته لم يحمِني...
كنت أظن أن الصمت حصن الحكماء... أنني حين أصمت... سأحمي المعنى من التشوه... وأحمي الكلام من طيش الانفعال... وأحمي نفسي من ندم قد يأتي لاحقاً... لكنني اكتشفت أن الصمت أحياناً يترك للآخرين فراغاً واسعاً كي يرسموك كما يشاؤون... يمنحهم مساحة ليضعوا فيك نوايا لم تحمليها... وصوراً لا تشبهك... وأحكاماً لم تطلبيها...
فجأة شعرت أنني قد أُختزل في لحظة واحدة...
في حساسية قُرئت كطيش... في خوف بدا كأنه مراهقة... في صمت فُهم كبرود... في حب لم يعرف كيف يشرح نفسه دون أن يفقد كرامته...
آلمني ذلك...
ليس لأنني أحتاج أن أبدو مثالية... أنا أعرف عيوبي جيداً... أعرف ارتباكي... وعنادي... وحساسيتي... وأعرف أن قلبي أحياناً يتقدم بخطوات أسرع مما يحتمل الموقف... لكن أن تُرسم لك صورة كاملة من زاوية واحدة... فهذا ظلم من نوع هادئ... ظلم لا يرفع صوته... لكنه يبقى في الداخل مثل شوكة...
كنت أجلس هناك... في المقهى... عالقة بين رغبتين...
رغبة في أن أشرح وجهة نظري... لا لأنتصر... بل لأرفع عن قلبي ثقل الصورة الخاطئة... ورغبة أخرى... أكثر كبرياءً... تهمس لي: لا تبرري نفسك لمن لا يريد أن يفهم... لا تفتحي صدرك أمام باب موارب... لا تحاولي أن تثبتي أنك لم تكوني سيئة النية لمن قرر مسبقاً شكل نيتك...
لكن الكبرياء... رغم أناقته... متعب...
والشرح... رغم صدقه... مهين حين لا يجد أذنا رحيمة...
بقيت بينهما...
السيجارة كانت تقترب من نهايتها... القهوة صارت أبرد... والهاتف أمامي كان يبدو ككائن ثالث يجلس معنا... يعرف كل شيء ولا يقول شيئا... مجموعات التواصل مفتوحة كجرح لم يندمل... الرسائل القديمة قريبة... والأسماء مألوفة... ومع ذلك... شعرت أن المسافة أكبر من شاشة... أكبر من مدينة... أكبر من مساء كامل...
راقبت الدخان وهو يتلاشى في هواء المقهى...
تذكرت الأغنية من جديد...
ذلك المساء الذي تحمر فيه الوجنتان كأن الغروب خرج منهما... ذلك الصمت الذي يحادث العينين... تلك النظرة الذابلة التي تقول دون أن تقول إن الرحيل قد بدأ... لم تكن الأغنية بعيدة عني الآن... كانت تجلس على الكرسي المقابل... تضع يديها على الطاولة... وتنظر إليّ كما نظر إليّ القط الأصفر... بهدوء يعرف أكثر مما ينبغي...
سألت نفسي: هل يرحل الطيب من ورده؟ هل يهرب الغصن من ظله؟ هل ترحل شمس المساء فقط لأنها وصلت إلى حافتها؟ أم أن بعض الأشياء لا ترحل فجأة... بل تنسحب ببطء من الداخل... حتى نكتشف متأخرين أن ما كنا نسميه حضوراً صار مجرد ضوء قديم؟
لا أعرف...
كل ما أعرفه أن شيئا في داخلي كان ينوح بصمت... لا نواحاً عاليا... بل ذلك النواح الذي لا يسمعه إلا صاحبه... كنت أشعر أن انشراحي يموت في مكان ما... وأن جراحي تجد موسيقاها الخاصة... وأنني في كل درب من دروب هذا الحي سأعصر قلبي قليلاً كي أستطيع المرور...
فكرت في ذلك الباب المفتوح الذي قيل لي يوما إنه سيبقى مفتوحا... هل تبقى الأبواب المفتوحة كذلك حقا؟ أم أن بعضها يظل مفتوحا في الكلام فقط... بينما تتراكم خلفه أشياء كثيرة: العتب... التعب... سوء الفهم... الخوف... الكبرياء... وتلك الرغبة الخفية في أن يطرق الآخر أولا؟
ربما لم ينقطع الخيط تماما...
ربما ارتخى فقط... تعب... احترق طرفه قليلا... وربما انقطع فعلا... لكن القلب... بجهله الرحيم... لا يزال يمسك بطرف غير موجود... نحن نفعل ذلك كثيرا... نواصل الإمساك بما مضى... لا لأننا لا نرى غيابه... بل لأن الاعتراف بالغياب يحتاج قوة لا نملكها دائماً في لحظة الاحتراق...
أطفأتُ السيجارة...
بقي أثرها في المنفضة كجملة لم تكتمل... نظرتُ إلى الفنجان... إلى الهاتف... إلى الشارع خلف زجاج المقهى... كانت الحياة تستمر بخفة جارحة... لا أحد يعرف أن شيئاً صغيراً في داخلي كان يحترق ببطء... لا أحد يعرف أنني خرجتُ هذا الصباح على صوت “راحلة”... وأنني اشتقتُ إلى من لم تكن بعيدة بعد... وأنني عطشت للعطر والشمس في مكان لا أستطيع تسميته...
لا أحد يعرف أن قطا أصفر حاكمني في أول الطريق... ولا أن مريم... بكلمة صغيرة وضحكات هادئة وتعليقات عابرة... حاولت طوال ساعاتي الصباحية أن تمتص دخان احتراقي... ولا أنني بعد يومي المتعب ذهبت إلى القهوة... وجلست في ركني... وحدث ما جعل الأغنية تعود إلي لا كصوت في الأذن... بل كقدر صغير في القلب...
النهاية لا تزال معلّقة في الهواء...
لا هي جاءت... ولا هي تراجعت... لا الباب أغلق تماما... ولا اليد امتدت لتفتحه... كل شيء يقف في تلك المنطقة الرمادية التي ترهق الروح أكثر من الحسم...
ربما سأطرق الباب يوما... وربما سأمر بجواره فقط... ألمسه بأصابعي... ثم أمضي...
وربما سيظل ذلك الخيط الرفيع... رغم احتراق أطرافه... شاهدا على أن شيئاً صادقا كان هنا... شيئأ لذيذا … حتى لو لم يعرف كيف ينجو...
أما الآن... فلا شيء واضحا...
القهوة بردت... السيجارة انتهت... والدخان الأخير... وهو يذوب في هواء المقهى... بدا كأنه يسألني بصوت لا يسمعه أحد: لمن سأغني بعد الآن... إن كان من أجله صار الغناء ممكناً... قد بدأ يرحل؟
ولم أجد جوابا...
قمت من مكاني كما يقوم المرء من حلم لم يكتمل... لا لأنه استيقظ... بل لأن الحلم لفظه فجأة إلى الخارج... تركت خلفي فنجاناً بارداً... ومنفضةً تحتفظ بأثر احتراق صغير... وطاولةً عرفت من صمتي أكثر مما عرفه كثيرون من كلامي...
خرجتُ أتجول في شوارع المدينة...
لا روحي كانت معي... ولا عقلي...
كنت أمشي فقط...
أمشي كما تمشي ورقة أفلتت من يد الخريف... لا تعرف إلى أين تذهب... ولا لماذا لم تعد تنتمي إلى الغصن... كانت المدينة حولي تتحرك بكامل أعضائها: سيارات... واجهات... أصوات... وجوه... أرصفة... أبواب تُفتح وتُغلق... أما أنا فكنت أعبرها كظلّ نسي صاحبه في مكان آخر...
لم أكن أبحث عن طريق... ولا عن أحد... ولا حتى عن نفسي...
كنت أتجول فقط... كأن قدميّ تكملان عني ما عجز القلب عن فهمه... وكأن الشوارع... باتساعها ولامبالاتها... تستطيع أن تحمل قليلا من ذلك الثقل الذي لم يعد صدري يعرف أين يضعه...
HB



